ابن كثير

69

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وإذا كان ابن نوح الكافر ، غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية ؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع . ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أي فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة اللّه ومتابعة رسول اللّه موسى صلّى اللّه عليه وسلم ، حرضهم رجلان للّه عليهما نعمة عظيمة ، وهما ممن يخاف أمر اللّه ويخشى عقابه ، وقرأ بعضهم قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ « 1 » أي ممن لهم مهابة وموضع من الناس ، ويقال إنهما يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا . قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة ، وعطية والسدي ، والربيع بن أنس ، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم اللّه فقالا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن توكلتم على اللّه واتبعتم أمره ، ووافقتم رسوله ، نصركم اللّه على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم ، ودخلتم البلد التي كتبها اللّه لكم ، فلم ينفع ذاك فيهم شيئا قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وهذا نكول منهم عن الجهاد ، ومخالفة لرسولهم ، وتخلف عن مقاتلة الأعداء ، ويقال : إنهم لما نكلوا عن الجهاد ، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر ، سجد موسى وهارون عليهما السلام ، قدام ملأ من بني إسرائيل ، إعظاما لما هموا به ، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ثيابهما ، ولا ما قومهما على ذلك ، فيقال إنهم رجموهما ، وجرى أمر عظيم ، وخطر جليل ، وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي اللّه عنهم يوم بدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين استشارهم في قتال النفير ، الذين جاءوا لمنع العير ، الذي كان مع أبي سفيان ، فلما فات اقتناص العير ، واقترب منهم النفير ، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة ، والبيض واليلب « 2 » ، فتكلم أبو بكر رضي اللّه عنه فأحسن ، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « أشيروا علي أيها المسلمون » وما يقول ذلك ، إلا ليستعلم ما عند الأنصار ، لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ ، فقال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول اللّه ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر ، فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل اللّه أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة اللّه ، فسّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقول سعد ونشطه ذلك . وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو حاتم الرازي ، حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري ، حدثنا حميد عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما سار إلى بدر استشار المسلمين ، فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فقالت الأنصار : يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ

--> ( 1 ) أي بضم أوله . ( 2 ) البيض : الخوذ . واليلب : الدروع .